حيدر حب الله

105

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1 - الرحمة ؛ فإنّ الآية الأولى وعدت بذلك ، لا سيما إذا فهمنا « السين » الداخلة على « يرحمهم » بأنها تفيد التأكيد والجزم ، وقد تكون الرحمة أخرويةً ، وهذا قدر مؤكّد في العادة من هذا التعبير قرآنياً ؛ لكنّ هذا لا يمنع إمكانية التعميم لمظاهر الرحمة الإلهية في الدنيا ، فقد استخدم القرآن هذا التعبير في حالات دنيوية أيضاً ، قال تعالى : ( قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ . . ) ( هود : 43 ) ؛ فإن الرحمة هنا تعني النجاة من القرار الإلهي بالطوفان في أيام نوح ، وقال تعالى : ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي ) ( يوسف : 53 ) ؛ فإن الرحمة هنا إشارة إلى المعونة واللطف الإلهيين بالإنسان في سيطرته على نفسه وتحكّمه بميوله ورغباته في الحياة الدنيا ، وقال تعالى : ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) ( الملك : 28 ) ؛ فقد وقعت الرحمة مقابل الإهلاك ، وقال سبحانه : ( فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ ) ( الأعراف : 72 ) ، والأوضح منه قوله تعالى : ( وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا ) ( يونس : 21 ) ، وقال : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ) ( هود : 9 ) ، وقال عز من قائل : ( ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها . . ) ( فاطر : 2 ) ، إلى غيرها من الآيات القرآنية الكريمة . وهذا معناه أن الآية التي نحن بصددها تؤكّد لحوق الرحمة للآمرين الناهين - المتصفين بصفات أخرى أيضاً - دون تحديد الرحمة من حيث الدنيوية والأخروية ، مما يفتح الباب على صور متعدّدة ، فربما تكون هذه الرحمة نجاةً من عذاب دنيوي أو أخروي ، وربما كانت رفع بلوى أو هلاك أو مصيبة أو ما شابه ذلك . 2 - البشرى ، كما جاء في الآية الثانية ، فهذه الآية تبشر المؤمنين بعد سلسلة صفات لأهل الإيمان ، والبشرى هي الأخرى أعمّ من الدنيوية والأخروية ، حيث